فخر الدين الرازي

149

الأربعين في أصول الدين

فلو كان الفاعل لذلك البغى هو داود ، لكان هو قد حكم على نفسه بعدم الايمان . والرابع : ان قوله تعالى : « وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ » ( ص 25 ) لا يلائم القتل والفسق . فثبت بما ذكرنا : أن أول هذه القصة وآخرها ، يشهدان بأن هذه القصة كاذبة باطلة - على الوجه الّذي يرويه بها أهل الحشو - ثم إن أهل التحقيق ذكروا وجوها كثيرة في تأويل الآية : الأول : ان قوله تعالى : « وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ . إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ » ؟ ( ص 21 ) حكاية عن جماعة تسوروا قصره قاصدين قتله والإساءة إليه في أهله وماله ، تسوروا قصره في وقت ظنوا أنه غافل ، فلما رآهم داود عليه السلام خافهم ، لما تقرر في العرف : أنه لا يتسور أحد دار غيره من غير أمره ، الا لقصد السوء من قتل النفس أو سرقة المال ، خصوصا إذا كان صاحب الدار شخصا معظما ، فلما رأوه مستيقظا انتقض عليهم تدبيرهم ، وخافوا ، فاخترع بعضهم عند ذلك الخوف : خصومة لا أصل لها . وزعم : أنهم انما قصدوه لأجلها دون ما توهمه فقالوا : « خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ » ( ص 22 ) : ثم ادعى أحدهما على الآخر مال ، فقال : « إِنَّ هذا أَخِي . لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ، وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ » ( ص 23 ) قال داود عليه السلام : « لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ » ( ص 54 ) . واعلم : أن حمل الآية على ما ذكرناه : حمل الكلام على ظاهره . أما حملها على القصة المشهورة فإنه يقتضي العدول عن الظاهر من وجهين : الأول : ان الملائكة لما قالوا : « خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ »